أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري

156

تهذيب اللغة

ثم صارت اسماً لِما فَضَل عن المقدار وأَفرَط فيه . وقال اللَّه جلّ وعزّ : ( وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ ) [ الحَديد : 27 ] . قلت : ومعنى هذه الآية عَوِيص . قال أبو إسحاق : يَحتمل معناها ضَرْبينِ : أحدُهما أن يكون المعنى في قوله : ( وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ) وابتَدعُوا رَهبانيّةً ابتَدَعوها ، كما تقول : رأَيتُ زيداً وعَمْراً أَكْرَمْتُه . قال : ويكون ( ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ ) معناها : لم تُكْتَبْ عليهم البتّةَ ، ويكون ( إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ ) بدلًا من الهاء والألف ، فيكون المعنى : ما كَتَبْنَا عليهم إلّا ابتغاءَ رِضْوان اللَّه ، وابتغاءُ رِضْوان اللَّه اتِّباعُ ما أَمَر به ، فهذا - واللَّه أعلم - وَجْهٌ ، وفيها وجْهٌ آخرُ : ( ابْتَدَعُوها ) جاء في التفسير أنهم كانوا يَرون من مُلوكهم ما لا يصبرون عليه ، فاتّخَذَوا أسراباً وصَوامِع ، وابتَدعوا ذلك ، فلمّا ألْزَموا أنفسهم ذلك التَّطَوُّعَ ، ودخلوا فيه لزِمَهم تمامُه ، كما أنَّ الإنسان إذا جعَل على نفسِه صَوْماً لم يُفترَضْ عليه لزِمه أَن يُتمِّمَه ، وأما قول اللَّه جلّ وعزّ : ( وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ ) [ القَصَص : 32 ] ، فإنَّ أبا إسحاق قال : يقال : من الرُّهْب والرَّهَب ، إذا جُزِمَ الهاءُ ضُمَّ الراء ، وإذا حُرِّكَ الهاءُ فُتح الراء ، ومعناهما واحد مثل الرُّشْد والرَّشَد . قال : ومعنى ( جَناحَكَ ) هاهنا يقال : العَضُد ويقال : اليدُ كلُّها جَناح . قلت : وقال مُقاتلٌ في قوله : من الرَّهَب : الرَّهَبُ كُمُّ مِدْرَعَتِه . وروى عمرو عن أبيه : يقال لكُمِّ القميص : القُنُّ ، والرُّدْنُ ، والرَّهَب ، والْخِلاف . وقال ابن الأعرابيّ : أَرْهبَ الرجلُ : إذا أطال رَهَبَه : أي كُمَّه . قال وأرْهب إذا رَكِب رَهْباً ، وهو الجمل العالي . قلت : وأكثرُ الناس ذهبوا في تفسير قوله : ( وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ ) [ القَصَص : 32 ] أنّه بمعنى الرّهبة ، ولو وَجدتُ إماماً من السَّلف يجعل الرَّهَب كُمّاً لذهبت إليه ؛ لأنه صحيح في العربية ، وهو أَشْبه بسياق الكلامِ والتفسيرِ ، واللَّه أعلم بما أراد . ويقال : استَرهبتُه وأرهبْتُه بمعنًى واحد . وترهَّبَ الرجلُ : إذا صار راهباً يَخْشَى اللَّه . قال اللَّه : ( وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ) [ الأعرَاف : 116 ] أي : أَرْهبوهم . وترهبَ غيرَه : إذا توعَّدَه ، وقال العجّاج يصف عَيْراً وأُتُنَه : تُعْطِيه رَهباها إذا تَرَهَّبا * على اضطِمارِ الكَشْحِ بَوْلًا زَغْربا عُصارةَ الجَزءِ الذي تَحَلَّبا رَهْباها : التي تَرهبُه ، كما يقال هالكٌ وهَلْكَى . إذا ترهبا : إذا تَوَعَّدَها . وقال الليث : الرَّهْب - جَزْمٌ - : لُغة في الرَّهَب . قال : والرَّهْباء : اسمٌ من الرَّهَب : تقول : الرَّهْباءُ من اللَّه ، والرَّغْباء إليه .